أيام في مدغشقر

الدكتور عبد الرحمن السميط يتناول الطعام مع أيتام المركز في ماجونغا بمدغشقر

الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله يتناول طعامه مع الأيتام

بكلماته هو

في عدد مايو 2005 من مجلة «الكوثر»، روى الدكتور عبد الرحمن السميط زيارته لدار الأيتام التي أنشأتها لجنة مسلمي إفريقيا في مدينة ماجونغا، شمال غرب مدغشقر. بات بين الأيتام وأكل معهم، ودوّن يومهم من أذان الفجر حتى ورد النوم: يتيمٌ يؤذّن، ويتيمٌ يؤمّ المصلين، ويتيمٌ يقرأ الحديث بالعربية ثم يترجمه لأهل البلد.


بصحبة ابني الصغير عبد الله الطالب في كلية الطب البيطري، والأخ صلاح الذي يعمل مديراً للمخازن في إحدى المؤسسات، زرت مدينة ماجونغا في الشمال الغربي من جزيرة مدغشقر. وعندما وصلنا إلى مركزنا فيها حرصت على المبيت في دار الأيتام التي أنشأتها لجنة مسلمي إفريقيا في المدينة، ففي النوم وسط الأيتام وتناول الطعام معهم ومشاركتهم اللعب لذة كبيرة. أذن أحد الأيتام لصلاة الفجر في المسجد الذي كان ممتلئاً بكل الأيتام رغم صغر سنهم، ثم صلى بنا أحدهم وعمره 11 سنة. وبعد الصلاة تشكل الأيتام في خمس حلقات حسب المستوى، فقرأت كل حلقة وردها اليومي من الأذكار، ثم بدأت تلاوة القرآن حسب مستوى كل حلقة. فبعضهم يحفظ خمسة أجزاء، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم لا يزال في جزء (عم)، ولكن أصوات الصغار وهم يتلون القرآن أمر لا يمكن نسيانه.

أيتام المركز في حلقات تحفيظ القرآن داخل المسجد
حلقات تحفيظ القرآن الكريم
أيتام المركز في حلقة درس حول معلّمهم داخل المسجد
في واحدة من حلقات الذكر بعد الصلاة

صور أرشيفية مرمّمة

بعد ذلك خرجوا في صف واحد إلى المطعم لتناول وجبة الفطور، وكانوا قد رتبوا فرشهم واغتسلوا قبل الصلاة على الرغم من برودة الماء؛ حتى على أمثالنا، إلا أنهم تعودوا على الاغتسال به. أعاد كل منهم صحنه إلى المطبخ، ثم ذهبوا إلى مهاجع النوم لجلب كتبهم وأدواتهم الدراسية، وكان أحد رجال الأعمال في المنطقة قد تبرع لكل يتيم منهم بحقيبة مدرسية. استمروا في الدراسة حتى أذان الظهر، فالصلاة في المسجد ثم الغداء وهكذا نظامهم اليومي.

أسرّة خشبية بطابقين في مهجع أيتام المركز
وفي أسرّتهم
طلاب بزيّ مدرسي رمادي وحقائب يصطفّون أمام مبنى المدرسة
الأيتام إلى فصولهم

صور أرشيفية مرمّمة

في الفترة المسائية عند صلاة الظهر كانت نعالهم مصفوفة بطريقة منظمة قرب مدخل المسجد دون أن تضايق المصلين، وصلى بنا يتيم آخر. ثم وقف أحد الأيتام عقب الصلاة وقرأ حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم بالعربية ثم ترجمه إلى اللغة المحلية. كانت هناك فترة راحة حوالي 45 دقيقة عادوا بعدها إلى المدرسة حتى الرابعة، بعدها جلس بعض الطلبة المتخلفين دراسياً لحضور المزيد من الحصص، أما البقية فقد توزعوا على النشاطات المختلفة من رياضة وكشافة وهوايات.

يتيم بثوب أبيض يقف أمام زملائه الجالسين في المصلى
أحدهم يلقي درساً باللغة المحلية
أيتام المركز يلعبون كرة القدم في ساحة ترابية
يلعبون الكرة

صور أرشيفية مرمّمة

حتى حان وقت صلاة المغرب، فهنا صلى بنا إماماً يتيم آخر لتدريبهم على القيادة والثقة بالنفس، ثم تلا يتيم آخر آية من القرآن مع تفسيرها باللغة المحلية لتبدأ فترة العشاء والمذاكرة حتى صلاة العشاء. ثم تستمر المذاكرة حتى الساعة التاسعة ليلاً حيث تبدأ فترة النوم بعد ذكر الأوراد المأثورة.

أصوات الصغار وهم يتلون القرآن أمرٌ لا يمكن نسيانه

دار الأيتام في ماجونغا — شمال غرب مدغشقر

والحمد لله يأتي ترتيب المدرسة ضمن أوائل المدارس على مستوى المنطقة، وكان الأيتام دائماً من أوائل طلاب الشهادة الابتدائية وغيرها. حتى في الرياضيات والمواد الدراسية الأخرى فهم متفوقون، حتى إن حفظهم للقرآن وهم أعاجم غير عرب ليثير الاستغراب، وربما كان ذلك السبب في تفوقهم الدراسي، حيث ثبت أن حفظ القرآن ينمي الذكاء ويقوي الذاكرة ويسهل حفظ أساسيات المواد الدراسية.

صورة جماعية لأيتام المركز وطلابه ومعلّميهم
صورة تذكارية تجمع الأيتام — صورة أرشيفية مرمّمة

من قصص حياة الصغار، بكى أحد صغار الأيتام كثيراً حينما حلت العطلة، إذ كان يرغب في البقاء بالمركز عندما طلبنا منه أن يذهب لأمه التي تعيش في قرية بعيدة. عاد في اليوم التالي معها وهي ترجونا أن نبقيه في المركز رغم أن مهاجع الأيتام خالية، ولكنها قالت إن ابنها لم يكف عن البكاء منذ أن عاد إلى المنزل.

كما تخرج قبل ثلاث سنوات اثنا عشر طالباً منهم من المرحلة الابتدائية والتحقوا بأقرب مدرسة متوسطة تابعة للكنيسة، إذ لا خيار لهم. وكانت مدرسة الكنيسة قد اختارت تسعة منهم لفريق كرة القدم وكان أيتامنا هم الأوائل، وحينما بدأنا بناء المتوسطة الخاصة بنا، جاء رجال الكنيسة وطلبوا منا أن نترك أيتامنا معهم لأنهم رفعوا من مستوى مدرستهم.

وعلمت أنهم زاروا مصنع النسيج في عطلة نهاية أحد الأسابيع، وأن الكبار منهم فوق 10 سنوات توزعوا على معظم مساجد المنطقة بعد صلاة المغرب، وقرأ كل واحد منهم حديثاً بالعربية، ثم ترجمه إلى اللغة المحلية. فبكى معظم المصلين وقاموا يقبلون رؤوس الأيتام ويمسحون عليها، وقال المصلون إنهم كبار سن ورغم هذا لم يكونوا يعرفون معاني هذه الأحاديث. تركت المركز ولن أنسى تلاوتهم للقرآن وقراءتهم للأحاديث وأناشيدهم الإسلامية وتمثيلياتهم التي تغرس المعاني السليمة في النفوس. تركت هؤلاء الأيتام وكأنني تركت بينهم جزءاً من قلبي.

أيتام المركز ساجدين في صلاة جماعية على شاطئ البحر
يؤدّون الصلاة أثناء رحلة إلى شاطئ البحر — صورة أرشيفية مرمّمة

عن المركز

مسجد مركز الأيتام في ماجونغا بمئذنته البيضاء
مسجد المركز
بيت خشبي للحمام مرفوع على عمود في حديقة المركز
تربية الحمام في المركز

صور أرشيفية مرمّمة

أنشئ هذا المركز عام 1997 على أرض مساحتها 75 ألف متر مربع ليضم مدرسة ابتدائية وأخرى متوسطة، وداراً للأيتام تسع 150 يتيماً، ومسجداً وداراً لتدريب النساء الفقيرات على الخياطة ومحو الأمية، ومزرعة للدواجن، ومكتبة ومعهداً دينياً لتخريج الدعاة، ومزرعة فواكه، وبئر ماء وسكناً للمدير وبعض المدرسين، وبلغت كلفة هذا المشروع 250 ألف دينار كويتي.

المصدر

مجلة «الكوثر»، العدد 67، مايو 2005، ص 11 — مقالة كتبها الدكتور عبد الرحمن السميط.

النص بلفظه كما ورد في المصدر، مع حذف فقرة احتياجات الدار.

اقرأ بعدها: أيام في إفريقيا: رحلة إلى نماكيا ←