خطيبٌ يدعو للسلطان العثماني

بكلماته هو

كتب الدكتور السميط هذا المشهد في مجلة «الكوثر» سنة 2000، وهو يستعيد جمعةً من أوائل سنواته في مالاوي. ليس المشهد عن الجهل وحده، بل — كما يقول هو — عن تقصيرٍ تركه.


أدركتني صلاة الجمعة وأنا في بلدة نكاتابي في شمال جمهورية مالاوي، فاتجهت إلى المسجد الوحيد — الآيل للسقوط — في القرية، ثم صليت تحية المسجد وجلست لقراءة القرآن، إلا أنني لم أستطع أن أقرأ كلمة واحدة لأن أحدهم وقف وبدأ يهذر بكلام لم أفهم منه كلمة واحدة، بعدما عرفت أنه يفترض أن ما قاله هو حديث باللغة العربية التي لا يفهمها هو أو أي أحد من المصلين — على اعتبار أنه جزء من أعمال صلاة الجمعة عندهم.

سمعنا بعد ذلك جلبة وضجة خارج المسجد، وما لبث أن دخل شاب يحمل عصا بيمناه وباليسرى كتاباً قديماً ممزقاً لخطب الجمعة بالعربية، ويردد أهازيج، ويذكر الله في كل خطوة، ثم يتوقف وخلفه الإمام، حتى وصلا إلى المنبر، فصعد الإمام وظل الشاب أسفل المنبر.

ثم بدأ الإمام الخطبة التي يفترض أنه قرأها بالعربية، لكنني لم أفهم موضوعها، إلا أنني فهمت في آخرها أنه يدعو للسلطان العثماني عبد العزيز، سلطان وخاقان البحرين.

شعرت بالألم والحسرة لأن المسلمين العرب قصروا في حق إخوانهم في كثير من الأماكن، حتى جعلت هذا الخطيب يخطب خطبة قديمة يرددها ولا يعرف معناها.

وفي قرية أخرى في مالاوي، اسمها شكواوا، اكتشفنا أن معظم سكانها من المسلمين لكنهم لا يصومون رمضان. بدأنا نعلمهم أحكام الصوم، لكننا اكتشفنا سبباً غريباً لعدم الصوم، حيث قالوا:

إننا لا نصوم لأننا لا نصلي!

مسجدٌ من القشّ

فلما استفسرنا منهم عن سبب عدم الصلاة، قالوا: لا يوجد مسجد، وإذا لم يوجد المسجد فلا صلاة!

حاولنا أن نشرح لهم أن الصلاة تجوز بدون وجود المسجد لكنهم أصروا على رأيهم، ومن حسن الحظ أن معنا بوصلة الصلاة، خرجنا معهم تحت شجرة ورسمنا خطاً على الأرض باتجاه القبلة وبنينا معهم مسجداً من القش.

ولم نصدق أعيننا عندما زرناهم بعد أيام، حيث وجدنا مسجد القش مليئاً بالمصلين.

يعلّق مؤلّف السيرة المرجعية: صورُ الجهل مختلفة في إفريقيا، وجامعها البعد عن مشاعل النور وضعف التواصل مع حواضر العلم — وهو على يقين أن الدكتور كان يدوّنها وقلبه يعتصر ألماً على تقصيرنا نحن المسلمين مع إخواننا هناك.

المصدر

مجلة «الكوثر» — العدد 7، مايو 2000 — بقلم الدكتور عبد الرحمن السميط — كما أورده الكتاب المرجعي (ص 150–151).

الكتاب المرجعي: «عبد الرحمن السميط — أسطورة العمل الإغاثي».

النصّ بلفظه كما ورد في المصدر؛ حكاية شكواوا مسرودة في الكتاب بصيغته، والتعليق الأخير لمؤلّفه.

اقرأ بعدها: مالاوي: بوابة إفريقيا ←