بكلماته هو
في العدد 83 من مجلة «الكوثر» (2006)، روى الدكتور عبد الرحمن السميط رحلته إلى «نماكيا» في شمال غرب مدغشقر، حيث تعيش ملكةٌ عربية الأصل اسمها آمنة سعيد. حاول الوصول إليها سنوات، وردّته عاصفةٌ في البحر مرة. ولما بلغها أخيراً بمعدّية وسيارة غاصت في الوحل مرتين، وجد عندها ما هو أشدّ من مشقّة الطريق.
أثناء وجودي في مدغشقر حاولت لفترة طويلة زيارة الملكة العربية الأصل آمنة سعيد، ولكن كل محاولاتي ذهبت أدراج الرياح بسبب عدم توفر وسائل مواصلات مناسبة. فالطريقة المعتادة أن نعبر البحر بواسطة عبارة، ثم نستقل شاحنة قديمة قد تستغرق رحلتها 12 ساعة، ثم نستبدل بها سيارة ثانية إلى نماكيا حيث الملكة، وقد يستغرق الوصول إليها أكثر من 24 ساعة أحيانا.
أذكر قبل سنوات أنني قررت الذهاب إليها بواسطة قارب سريع ذي محرك يملكه شخص فرنسي مقيم في مدغشقر، وأذكر أنه طلب مبلغا كبيرا، اضطررت للموافقة عليه لأنه لا يوجد بديل آخر. غير أننا فوجئنا بعاصفة وأمواج، ليخبرنا سائق القارب أن الوقود بدأ ينفد، وأنه لا يمكن الوصول إلى نماكيا، وأن العاصفة قادمة، فلجأنا إلى جزيرة غير مأهولة فيها آثار إسلامية (مسجد، وبيوت، وقبور كثيرة بنيت باتجاه القبلة) كان البرتغاليون قد هاجموها وحرقوها وقتلوا رجالها واعتدوا على نسائهم ثم ألقوهم في البحر، أما الأطفال فقد كانوا يتسلون بإلقائهم في البحر طعاما لأسماك القرش.
لقد اضطررنا بعدها إلى زيارة جزيرة مجاورة أكثر من 96٪ من سكانها مسلمون، إلا أن شبابها وفتياتها لا يعرفون شيئا عن الإسلام، وقد ناشدونا أن نبني لهم مسجدا، ونرسل إليهم داعية لأنه لا يوجد فيها إلا شخص واحد يقرأ الفاتحة بصورة مكسرة، وقد بنينا لهم المسجد إلا أنه ظل من دون داعية.
عدنا من هذه الجزيرة ولم نصل إلى مبتغانا، ولكن على الأقل اكتشفناها ورجعنا إلى مدينة ماجونغا.
في هذه المرة، قررنا المخاطرة بالمعدية عبر البحر إلى شبه الجزيرة، وبعد ساعة وصلنا قرية ميتسنغو، غير أن المعدية توقفت على بعد عشرين متراً من الشاطئ، وطلب منا طاقمها أن ننزل إلى البحر بسيارتنا من نوع (البيك أب) التي لا يمكن أن تسبح فيه. وبعد مساومات مع بعض الشباب، دفعنا لهم 450 فلساً (5 ريالات سعودية) أحضروا لنا خشبًا قوياً فوضعوه بين المعدية والشاطئ حتى تعبر عليه سيارتنا.
مسلمون.. ولكن..
عند دخولنا القرية، جاءنا شخص، وزعم أنه مبعوث من رئيس البلدية، وأنه يدعونا لزيارته في المكتب، لبينا الدعوة، فاستقبلنا المضيف استقبالاً حاراً وقال إنه مسلم واسمه حسن. وأن القرية سابقاً كانت مسلمة ولازال كبار السن فيها يصلون في المسجد، أما الشباب والفتيات، فلا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ثم أشار إلى الحائط وقد رسم عليه شعار القرية وضمنه عبارة تقول: دين ودنيا.. وقال: إننا نحب الإسلام، ولكننا جهلة، وقد زارنا قبل مدة وفد من القاديانيين وطلب منا أرضاً لبناء مدرسة لأولادنا، فرحبنا بهم وسجلنا الأرض باسمهم، ولكنهم لم يرجعوا، ونناشدكم أن لا تتركونا وحدنا مع الشيطان، وها هم أولادنا بلا معلم يعلمهم مبادئ دينهم.
خرجنا من ميتسنجو بعد أن زرنا المسجد الذي كان نظيفاً ومرتباً، ولكن لم نشاهد أي شباب فيه إلا كبار السن.
في الطريق غاصت السيارة في الطين ومحاولات لإخراجها
سرنا بسيارتنا ذات الدفع الرباعي ونحن نعلم أن في هذا مخاطرة لأن الشارع سيئ، وبعد اجتيازنا عدة مخاضات، غرزت عجلات السيارة في إحداها كلها طين، وذهبت كل محاولاتنا أدراج الرياح، وبعد ساعتين، وصلت شاحنة فسحبت السيارة بسلسلة حديدية، ولكن لسوء حظنا جميعاً أن الشاحنة وقعت في نفس المشكلة، وبقينا معاً ساعتين نحاول عمل شيء حتى منّ الله علينا بإخراجها من الوحل.
بعد ساعات في طريق ترابي، وصلنا إلى مصنع ضخم لإنتاج السكر، ولكنه كان متوقفاً تماماً عن العمل، وبقربه مصنع لإنتاج الخمر يعمل فيه «عمال مسلمون» لا يعرفون أن الخمر حرام. (…) مررنا بحوالي ثماني قرى ولم نجد فيها أي داعية، رغم أن أغلب سكانها مسلمون (كانوا جميعا في الماضي مسلمين). إن ما رأيناه من وضع المسلمين في هذه المنطقة يؤلم النفس ويبكي القلب… جهل بأبسط مبادئ الإسلام.. انحرافات في العقيدة والشريعة.. كل قرية هنا تحتاج إلى مدرسة وإلى داعية ومعلم.

يصلون ستة أيام في المسجد… ويعبدون الملكة يوم السبت
ملكةٌ لا تعرف عن الإسلام شيئاً
منزل الملكة
وصلنا بصعوبة إلى قرية نماكيا كما ذكرنا، واتجهنا إلى منزل ملكة المنطقة آمنة سعيد، فاستقبلنا زوجها وطلب منا الانتظار في الخارج ريثما تستعد لاستقبالنا.. وقفنا في الشارع بين بيت الملكة والكنيسة البروتستانتية الضخمة ننتظر، وبعد نصف ساعة، جاءنا زوجها يخبرنا أنها بانتظارنا.
وجدناها في الخمسين تقريباً من العمر، مبتسمة، لون بشرتها يقارب لون بشرة العرب، رغم أن لون سكان المنطقة كلهم أقرب إلى لون البشرة الإفريقية، رحبت بنا وجلسنا معها بحضور زوجها.. فأخبرتهما أننا من الكويت، من أرض مكة المكرمة، وأن أهلي أرسلوني للسؤال عن حال الملكة آمنة وحال بلدها وأهاليها، ثم سألتها إن كانت تعرف مصدر اسمها، فأجابت بالنفي، فقلت لها: إن آمنة هي أم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأن سعيدا هو أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة.
أهديتها ثوباً نسائياً كنت قد اشتريته من مدينة ماجونغا، وشرحت لها أركان الإسلام، وكنت بين كل ركن وآخر أقدم لها هدية من إخوانها في الكويت ومكة، وسألتها إن كانت مستعدة للحج هذا العام هي وزوجها إذا ساعدناهما على أداء هذه الفريضة بمال أحد المحسنين فأبدت استعدادها لذلك. إنني أدعو الله أن يجعل حجها بداية تغيير في المنطقة كلها.
إن الوضع الذي رأيته كان مؤلماً للغاية، لأن المسلمين يصلون ستة أيام في المسجد كل أسبوع، ويعبدون الملكة آمنة سعيد يوم السبت وهي لا تعرف عن الإسلام شيئاً، وقد أهديتها بعض الكتيبات عن مبادئ الإسلام، أسأل الله أن يهديها ويهدي بها الآخرين.
في طريق العودة غاصت سيارتنا ثانية في الوحل، وبعد أربع ساعات من المحاولات استمع الإخوة لرأيي بأن نتوقف ونصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً وكان الوقت آنذاك العاشرة ليلاً، وبعد الصلاة التي صليناها على الطين دفعنا السيارة وأكرمنا الله بخروجها من الوحل، نمنا تلك الليلة على الشاطئ، فلا فندق ولا مطعم ولا مكان للراحة، وكان البرد شديداً، وفي الصباح الباكر جاءت المعدية لتأخذنا إلى ماجونغا.
المصدر
مجلة «الكوثر»، العدد 83، 2006.
الأقوال بلفظها كما وردت في المصدر، مع نقاط حذف حيث اختُصر.
اقرأ بعدها: الحمد لله، نحن مسلمون بروتستانت! ←
