
The Righteous Woman
إلى جانبه
المرأةالصالحة
في عام 1984م وضعت طفلةً في العاشرة ورضيعاً في الثامنة عشرة شهراً في سيارة، ومضت إلى أدغال مالاوي لتقضي الصيف. ثم أعادتها في الصيف الذي يليه، وثلاثين عاماً بعده.
نورية محمد الخرشم
تزوّجا في 29 يوليو 1973م
أربعون عاماً
الكويت، 1973
كانت له في الزوجة ثلاثةُ شروط.
ألّا تكون جامعية.
ألّا تعمل.
ألّا تقود سيارة.
كان في السادسة والعشرين، طبيباً حديثَ التخرّج، يظنّ أنّ الشهادة الجامعية والعمل وقيادة السيارة علاماتٌ على ترفٍ زائدٍ عند البنت. وقد رُدَّ أكثر من مرّة: الأسرُ التي قصدها في الكويت ثم في السعودية وجدته متزمّتاً متديّناً — «رفضوني لأنّني رجعيّ».
ثم لقي نورية الخرشم: شهادةٌ في المحاسبة من جامعة الكويت، ومدرّسةُ رياضياتٍ في المرحلة المتوسطة، تقود سيارتها إليها كلَّ صباح.
تزوّجها يوم الأحد 29 يوليو 1973م، ولم يُبقِ من شروطه الثلاثة شرطاً واحداً. وبعد سنين قال لابنه الأكبر إنّه لو أصرّ عليها «لما تزوّجتُ والدتك».

الأسبوع الأول
رأت غرفته، ولم تُخبر أهلها أربعين سنة.
بعد عقد القران بأيام، وفي أوّل زيارةٍ لبيت أهله، طلب منها أن تصعد لترى غرفته في الدور الثاني.
حصيرٌ على الأرض، وفوقه فراشٌ رقيقٌ ومخدّة. وإلى الجدار مكتبةُ خشبٍ متواضعةٌ جداً. ولا مكيّف — في صيف الكويت، وفي بيت أهلٍ «أهلِ خيرٍ وكرم».
«صدمتُ لما رأيت! وفي تلك اللحظة أيقنتُ أنّني تزوّجتُ رجلاً صالحاً زاهداً، وعليّ أن أتقبّل العيش معه بالصورة التي رأيتها. وفي تلك اللحظة كنتُ راضيةً وسعيدة.»
ولم تُخبر أهلها بما رأت — لا حينها ولا إلى اليوم. ولمّا ألحّ عليه أهلُه اضطرّ لشراء غرفة نومٍ ومكيّف.

مالاوي، 1984
ثلاثَ سنواتٍ ذهب وحده. وفي الرابعة قرّرت أنّ ذلك انتهى.
كان يعمل في إفريقيا منذ 1981م ويسافر من دون أسرته. وفي عام 1984م قرّرت أن يقضوا العطل الصيفية معه — لا زيارةً، بل مشاركةً في العمل: أن يعايشوا الفقراء والأيتام الذين كان يحدّثهم عنهم من بعيد.
أسماءُ الكبرى في العاشرة. وعبد الله ابنُ سنةٍ ونصف.
مسكنٌ بالكاد يكون مسكناً.
طعامٌ يقلّ.
طرقٌ تُقطع في عشرين ساعةً بالسيارة، ثم سيراً على الأقدام.
أمطارٌ غزيرة ثم حرٌّ شديد، ولا تكييف.
وكان الأولاد يمرضون كثيراً، والبعوضُ يترك في أجسادهم أثراً يبقى. وعادت في الصيف الذي يليه، والذي يليه، وثلاثين عاماً وهي تعود — عبر كينيا وتشاد وإفريقيا الوسطى ومدغشقر وأربعين دولةً أخرى.
وفي إحدى الرحلات دخلا قريةً تعجّب أهلُها من حجابها، «وكادوا أن يفتكوا بها لولا أنّها انطلقت تجري إلى السيارة».
رواه زوجُها في برنامج «صفحات من حياتي» — قناة المجد

على طريقٍ طولُه 1,500 كيلومتر
رفضت الفندق.
كانوا قد قطعوا أكثر من ألفٍ وخمسمئة كيلومتر في طرقٍ وعرة، ونزلوا فندقاً حكومياً نظيفاً نسبياً — «غير أنّه من الناحية الأخلاقية غير نظيفٍ تماماً». فأصرّت ألّا يقيموا فيه لحظةً واحدة.
فأخبرها أنّه لا بديل لهم إلا النوم في الغابات. «فكان ذلك عندها أفضل من النوم في فندقٍ من هذا النوع».
فوجدوا في طريقهم مسجداً قديماً مهدَّماً فقضوا الليل فيه، ضيوفاً على البعوض. ولمّا استيقظوا وجدوا وجه رضيعهم عبد الله متورّماً من اللسعات، وعلى إثرها أُصيب بالملاريا.
ولم تقترح الفندق مرّةً أخرى.
رواه زوجُها في برنامج «عبد الرحمن الفاتح»

كندا
خمسُ سنواتٍ في كندا، عاشتها ببساطةٍ لافتة.
لم يكونا فقيرين. كان طبيباً في دراساته العليا، وكان بإمكانها أن تقتني ما تشاء. لكنها اختارت القليل، وزهدت في الكثير.
لم يكن التفاخر من طبعها، ولا البذخ من عادتها.
مالاوي
في آخر صباحٍ لأم صهيب في مالاوي، كان الوداع هديةً.
حضرت امرأةٌ درساً للنساء في المسجد متأخرة، مطأطئة الرأس. ولما سُئلت عن سبب تأخرها، قالت إنها غسلت ثوبها الوحيد لتحضر نظيفة، ولم يجفّ بسبب المطر.
فطلبت منها أم صهيب أن تأتي عند الفجر قبل السفر إلى المطار، وسلّمتها ثوباً جديداً من تبرّع إحدى المحسنات. وكانت فرحة المرأة به لا توصف.
عن كتابه رسالة إلى ولدي
ما تصدّقت به
لم تكن تعطي من الفاضل.
أعاده نزيفٌ في الشبكية إلى الكويت للعلاج. ولأنّه بلا وظيفةٍ يعود إليها عمل في تجارةٍ بسيطة، فرزقه الله منها رزقاً طيباً. فلمّا رأت المال لم تسأل ماذا يشترون به.
«إنّ الله لم يخلقك لجمع المال، بل خلقك لخدمة إخوانك في إفريقيا.»
كلُّ ما ورثته
ولمّا جاءها ميراثٌ دفعته كلَّه للدعوة ولم تُبقِ منه شيئاً لها.
وكلُّ ما يقف عاطلاً
«والله ما أنام في البيت والبنك فيه مالٌ فائضٌ عن الحاجة — أخاف من العقاب.»
مقبرةٌ في مدغشقر
وهي من اقترح عليه شراء أرضٍ ووقفِها مقبرةً لمسلمي الأنتيمور في مدغشقر، وقالت: «لعلّنا ندفن فيها!»

الكويت، الجهةُ الأخرى من السنة
كان غائباً أحدَ عشر شهراً من اثني عشر. وربّت خمسةَ أولادٍ على حكاية رجلٍ لا يكادون يرونه.
صهيب، وعبد الله، وأسماء، ونسيبة، وسميّة. كان أبوهم في إفريقيا أحدَ عشر شهراً من كلّ سنة، ويعود شهراً واحداً. وحين رآه أصغرُهم على الباب، هرب.
ولم تدع الغياب يصير مظلمة. كانت تحدّثهم عن أبيهم وأين هو وما الذي يصنعه هناك ولماذا يهمّ — وربّتهم على أن يبذلوا هم، لا أن يُعجَبوا بمن يبذل.
«فلقد غرس زوجي الخير في إفريقيا، فوجدنا ثماره في الكويت.»
نشأ الخمسةُ ملتزمين، وأغلبُهم اليوم يتبرّع بنصف راتبه أو دخله. — بلفظها، في برنامج «عبد الرحمن الفاتح»
بصوتها هي
ثلاثُ كلماتٍ قالتها، لا تخصّ يوماً بعينه.
١

ليلةٌ في بيتهما بمدغشقر
«هل سنجد في الجنة طعم هذه السعادة كما نجده هنا؟!»
٢

الكويت، قبل إفريقيا
«نحن خُلقنا لأمرٍ أكبر من هذا… ما خُلقنا لنأتي ونجلس هنا.»
٣

في الأسفار
«النومُ في الغابات والصحاري والمساجد الطينية… كلُّ هذا أقنعني بأنّ ما يقوم به أبو صهيب من خدمةٍ لإخوانه المسلمين في إفريقيا شرفٌ لنا جميعاً.»

2001 · أشقُّ الرحلات
كان الطريق عبر كينيا وتشاد وإفريقيا الوسطى — شهرٌ في الأدغال، وخطرٌ يكفي لأن يحاول أن يثنيها عنه.
«طلب منّي مازحاً قبل مرافقته أن أكتب وصيّتي أو أختار من الحيوانات التي ستأكلني: الأسدَ أم النمر! فكانت إجابتي: الأسد حتى أكون شهيداً بشرف!»
بلفظها
«قد يبخس البعضُ دورَ المرأة وأهميتَها في صنع الحضارات، ولكنّني لن أقول: ابحث عن المرأة من وراء العظماء، ولكن أجزم أنّ كلَّ فاشلٍ لم يكن وراءه امرأة، أو كانت وراءه امرأةٌ فاشلة.»
لم تستعمل كلمة وراء عن نفسها. استعملت شريكة — وعنت بها طرقَ العشرين ساعة، والمستنقعات، والحمّى، والليالي على أرض مسجدٍ من طين، وثلاثين صيفاً.
«إنّ أيّ نجاحٍ يحقّقه أبو صهيب في تشرّفه بكونه خادماً لإخوانه المحتاجين هناك هو نجاحٌ لي وللأولاد… فأنا أعتبر نفسي شريكةً مع أبي صهيب في كلّ خطوةٍ يخطوها، وهو ما يؤكّده لي دائماً.»
عملُها هي
أسّست أعمالاً تعليميةً وتنمويةً، وهي تديرها.
لا إلى جانبه — بل عملُها هي. بَنَتْه وتديره، وهو الجزءُ الذي نملك عنه أقلَّ ما نملك. وما زلنا نجمع سجلَّه: الأسماء والسنوات والأماكن ومن مرّ به.
أتعرف عملها؟
اسمٌ، أو سنة، أو صورة، أو وثيقة — أيُّ شيءٍ يعيننا على كتابة هذا القسم كما ينبغي.